مخاطر رفع التجريم عن شيكات الضمان

يعتبر الشيك وسيلة أداء فعالة متى توفرت المؤونة، ولعل هذا ما جعل التجريم في مادة الشيك يرتبط أساساً بحالة عدم توفر أو عدم كفاية المؤونة، حيث كان الهدف دائماً هو تعزيز الثقة في التعامل بهذه الورقة التجارية، غير أن تمديد التجريم والعقاب إلى المجال الصرفي لم يكن يوماً محل إجماع، حيث ينادي البعض بإبقاء الشيك ضمن مجاله الصرفي بعيدا عن الزجر و المتابعات الجنائية، في حين يرى البعض الآخر ضرورة الإبقاء على جرائم الشيك حماية للثقة في التعامل بهذه الورقة التجارية… 

لا شك أن خيار تقنين الشيك المؤجل الدفع ورفع التجريم عنه، يساير الممارسات التي اعتاد عليها التجار، غير أنه يؤدي مع ذلك إلى بعض النتائج ذات الانعكاس السلبي على مصداقية الشيك وعلى المعاملات التجارية ومستوى الاستبناك ، وفق ما يلي :
-1تعطيل التعامل بالأوراق التجارية :
من بين النتائج السلبية لتقنين التعامل بالشيك المؤجل الدفع ورفع التجريم عنه، أن الشيك سيفقد طبيعته ويتحول من أداة وفاء واجبة الأداء بمجرد الاطلاع إلى أداة ائتمان، بل سيتحول إلى كمبيالة مدعومة بالجزاء الجنائي، باعتبار أن البيانات الواردة في الشيك المؤجل الدفع هي نفسها الواجبة في الكمبيالة بما في ذلك تاريخ التقديم للوفاء، وهو ما يعني أن التجار سيقلعون عن التعامل بالكمبيالة و السند لأمر، وسيقتصرون على التعامل بالشيك المؤجل الدفع الذي يبقى شيكا في الظاهر ولكنه في الحقيقة كمبيالة مدعومة بالجزاء الجنائي، وهو ما سيجعلنا أمام وضع تتعطل فيه الكمبيالة، كما يتعطل فيه الشيك الناجز، ليقتصر التعامل على ورقة تجارية هجينة لا هي بشيك ولا هي بكمبيالة.
-2 خلق سيولة وهمية :
سيؤدي السماح بسحب شيكات مؤجلة الدفع، إلى خلق سيولة وهمية وفق ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها التي جاء فيها: “إن تعليق إبراء ذمة الساحب من الدين الذي عليه للمستفيد ، على وقوع وفاء الشيك بالفعل، الذي أصدر وفاء لهذا الدين، من شأنه من جهة أن يحد من خلق وانتشار سيولة نقدية غير حقيقية بواسطة إصدار شيكات، ومن جهة أخرى أن يشجع الدائنين على الاطمئنان إلى هذه السيولة النقدية التي لا تؤدي إلى انقضاء الدين الأصلي إلا إذا كانت حقيقية وتمكن الدائن من ملامستها وقبضها “.
ولعل هذه هي الغاية التي جعلت فرنسا وإن كانت قد ألغت معظم جرائم الشيك ، فإنها أبقت على جريمة قبول تسلم أو تظهير شيك لم يعد له مقابل وفاء أو رصيد بعد إصداره متى كانت الغاية من ذلك المساس بحقوق الغير.
-3 تقليص مستوى الاستبناك:
يهدف المشرع من خلال تنظيم الشيك قانونا وحمايته بمقتضيات صرفية وأخرى جنائية إلى إعطائه قوة الإبراء الفوري بحيث يقوم مقام النقود، وذلك من أجل تحقيق نتيجة أهم من ذلك وهي ربط معاملات الأفراد بالقطاع البنكي، أو ما يعرف بالاستبناك (la bancarisation) الذي لا يتعدى حسب تقرير بنك المغرب لسنة 2015 نسبة 68 %، ذلك أن ارتفاع مستوى الاستبناك يعتبر مؤشرا إيجابيا على سلامة و دينامية الاقتصاد الوطني، غير أن السماح بسحب شيكات مؤجلة الدفع من شأنه أن يفرغ الشيك من قيمته كأداة إبراء فوري ويجعل المعاملات البنكية معاملات بطيئة، مادام أن الشيك سيتحول من ورقة وجدت لتنتقل بسرعة بين المتعاملين إلى ورقة شبيهة بالكمبيالة والسند لأمر يحتفظ بها التجار في مكاتبهم لإثبات ديونهم.
-4 تفاقم ظاهرة الشيكات بدون مؤونة :
بالرغم من تزايد عدد الشيكات بدون مؤونة سنة بعد أخرى، فإن المتعاملين بالشيك يحرصون مع ذلك على عدم سحب الشيك إلا إذا كانت لديهم سيولة كافية للوفاء، وتبقى الحالات التي تصل إلى المحاكم مجرد استثناءات تؤكد القاعدة العامة، غير أن السماح بسحب شيكات الضمان أو شيكات مؤجلة الدفع، سيجعل المتعامل بالشيك يقدم على إصداره دون أن يكون متأكدا من توفر المؤونة في التاريخ المتفق عليه كتاريخ للوفاء، و هو ما سيؤدي حتما إلى تفاقم ظاهرة الشيك بدون مؤونة.
وتجدر الإشارة إلى أن بنك المغرب سبق وأن سجل في تقريره لسنة 2011 ارتفاع عدد الكمبيالات غير المؤداة في تاريخ التقديم للوفاء، واقترح تجريم عدم الوفاء بمبلغ الكمبيالة على غرار تجريم عدم توفير مؤونة الشيك. ورغم أن تجريم الكمبيالة يتعارض مع طبيعتها كأداة ائتمان و لا تأخذ به معظم التشريعات، فإن هذه التوصية الصادرة عن بنك المغرب باعتباره من المؤسسات المهمة فيما يتعلق بتسطير السياسية النقدية والمالية للدولة، تؤكد أن رفع التجريم عن شيك الضمان لا يساير خيارات السلطات المالية ببلادنا.
ختاما لا بد من التأكيد على أن النقاش فتح في عدة مناسبات بشأن إمكانية إلغاء جرائم الشيك، بالنظر لطبيعته كورقة تجارية، و مسايرة للفلسفة القائمة على تقليص نطاق الزجر في مجال التجارة وعالم المال والأعمال،دون أن تتبلور رؤية واضحة بهذا الشأن، كما أن قضايا جرائم الشيك ما فتئت تتزايد سنة بعد أخرى على نحو يثقل كاهل العدالة الجنائية، وهو ما يقتضي التفكير في اعتماد حلول بديلة للدعوى العمومية، غير أن أي خيار بهذا الخصوص يقتضي استحضار البيئة الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا، ومراعاة التدرج بشأن إلغاء التجريم، مع وضع ضمانات موازية للوقاية والحفاظ على الثقة في التعامل بالشيك كورقة تجارية ما زالت من وسائل الأداء المهمة بالمغرب.
عن “الصباح” عبد الرحمان اللمتوني: دكتور في الحقوق.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *