أين العرب مما يحدث في غزة؟

تأبى إسرائيل إلا أن تضيء ليالي رمضان في غزة بنيران صواريخها التي تطمر أحياء بكاملها، تنضاف لأخرى لا تزال شاهدة على بطش الآلة العسكرية بالقطاع المحاصر وسكانه، وكأنها تنتعش وجوديا من دماء الضحايا الفلسطينيين. صواريخ تل أبيب قتلت في ظرف يومين سبعة وعشرين فلسطينيا بينهم ستة أطفال، وجرحت مائتين وثلاثين آخرين، بعدما نفذت أكثر من مائتي غارة وسط صمت عالمي مطبق لا يدين ولا يتحرك، وكأن الفلسطينيين لا تسري عليهم القوانين الدولية.
فقط في هذه البقعة العربية الصغيرة، يمكن لإسرائيل أن تعربد كيفما شاءت وأينما شاءت، دون أن يتداعى لذلك مجلس الأمن الدولي، ودون أن يخرج الناطقون باسم البيت الأبيض لتحديد سبل تدخل الإدارة الأمريكية، لوقف سفك الدماء أو في أقل تقدير دعوة إسرائيل لاحترام الأعراف الدولية في حربها على شعب أعزل. وأقصى ما يمكن رصده هو دعوات لضبط النفس، تكفي فقط لمنح نفس إضافي للجنود الإسرائيليين ليعيثوا فسادا في شعب القطاع المنكوب المحاصر من كل الجهات والذي قدر له أن يعيش ليدفن موتاه.
زرت غزة في عام 2010، ولم ينطلق بعد الربيع العربي. دعك مما تسمع في الإعلام عن الشعب الفلسطيني المحاصر وعن المعابر والمقاومة. فكل ما يذاع لا ينقل صورة الواقع الصعب في تلك المناطق. تخيل نفسك في منطقة يحدها البحر والمعابر الموصدة، سجانك اسمه إسرائيل وهو يكرهك حد الموت وحارسك العربي اسمه مصر التي قد يرق قلبها لك أحيانا، لكن ليس دائما. 
غزة سجن كبير لا تلطف منه سوى زرقة البحر الأبيض المتوسط ورباطة جأش الغزاويين الذين يأخذون آلامهم على قدر إيمانهم بالشهادة. في غزة تهوي المطالب إلى درجاتها الدنيا، فلا ماء ولا كهرباء إلا إذا شاءت إسرائيل، والتي بدونها لا يتسلم الفلسطينيون رواتبهم. وحين تقصف الصواريخ الإسرائيلية فهي تستهدف في المقام الأول مصادر المياه والكهرباء، كما يحدث هذه الأيام بعدما هاجم الطيران الحربي الإسرائيلي آبار المياه التي يشرب منها عشرات الآلاف من سكان غزة. وهذه وحدها جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي، لأن انقطاع المياه يعني عدا عن العطش انتشار الأوبئة.
لكن كيف تحاكم إسرائيل على ضرب أنابيب المياه، وهي التي لم تحاكم على تشريد شعب بأكمله وقصفه في عام 2009 بالقنابل الفوسفورية المحظورة بموجب اتفاقية جنيف لعام 1980. وهي القنابل التي سبق لإسرائيل أن جربتها بعد اجتياحها للبنان في عام 2006، ولم يلاحقها أحد لاستخدامها سلاحا كيماويا كما حدث مع العراق مثلا. ولم تكتف إسرائيل بقنابل الفوسفور الأبيض خلال هجومها البري على غزة، ولكنها جربت قنابل أخرى محرمة دوليا لكنها محللة على إسرائيل.
أتساءل لماذا لم يختر أبو بكر البغدادي أن يعلن عن دولة الخلافة في غزة؟ على الأقل سيحارب عدوا تجمع عليه العرب. وأتساءل لماذا لا تتدفق أموال الخليج بنفس القدر على حركات المقاومة الفلسطينية، كما تتدفق على الفصائل المتناحرة في سوريا وليبيا والعراق؟
خلاصة القول أن المال الخليجي الذي أحدث الدمار في بلدان الربيع العربي، لا يستطيع الاقتراب من الرقعة الإسرائيلية، و»داعش» و»النصرة» وغيرهما تعرف حدودها في الحرب التي تستل فيها السيوف على المسلمين فقط. هكذا الضحايا مسلمون والمال المهدور قادم من بلاد الإسلام ودولة الخلافة، لا تقرب فلسطين المحتلة باعتراف العالم، لكنها تفضل القيام على أنقاض دولة يعترف بوجودها العالم.
لا رادع لإسرائيل طالما أن العرب منشغلون بتدمير بعضهم البعض، وطالما أن وقود الحرب تشعله آبار النفط وأنابيب الغاز التي صنعت غنى الخليج وأيضا خوفه الدائم وحاجة دوله إلى قواعد عسكرية أمريكية تحميه ليس من غزوات محتملة للغرب، ولكن من غدر الأشقاء الذين يتعاركون في رقع بعيدة عن بلدانهم، في لبنان وسوريا وليبيا واليمن والعراق ومصر.
ستمضي إسرائيل في حربها ضد سكان غزة، وستقتل المزيد، وعينها ليست على كم الضحايا، ولكن على الوحدة المبرمة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس. فوحدة العرب لا تخدم إسرائيل كما لا تخدم أمريكا. وما الفرجة الحاصلة على تقدم دولة الخلافة في العراق، سوى نموذج لوحدة التقسيم التي يراد الوصول إليها، في انتظار صحوة عربية لم تظهر سوى في صنف المقاتلين الباحثين عن الاستشهاد كأفق أقصى للوجود.

إقبال إلهامي

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *