إلى رجل تعليم أعرفه

انفض عن يديك غبار الطباشير وانتبه إلي، دع عنك هذه الجذاذات البليدة، وافتح نافذة القســـــم قليلا كي تطرد روائح المعجون والظراط الكريهة؛ دع عنك التساؤلات المهمومة عن زيادة تأتــي أو لا تأتـــــي؛ فالتعاقد والعبثية أفسدا كل شيء؛ تخلص ساعـــة من التفكير في اللقمة العنيدة وفــــي غــرف إضافية على السطح؛ 

اهرب بعض الوقـــت عن صورة لك ألبســـوها إياك منذ عقود تشــــي بالفقــــر والجهل والتخلف والسخرية والبخل…

أنت أيها المعلم/ الأستاذ، يا امتداد الأنبياء في أرض تأكل أنبياءها، يا قائد العصافير نحو الزمن الأجمل، إنه لا يكفي الصراخ في نقابة كلامية كي تكون مناضلا؛ ولا يكفي أن تكدس حقيبتك بالوثائق التربوية كي تكون مخلصا وذا ضمير… وكيف تجتر في بلاهة ما مضغه الأسلاف منذ قرون؛ وما دبجـــه جيلك علــى حائط النت …فتتهم تلاميذك بالتفاهة والتخلف ونتيجة هذا آلاف مستنسخة لمعلـــم واحـــد منمط ومحنط؛ وملايين مستنسخة لتلميذ واحد مهزوز! أنت مظلوم! كم أصبح لذيذا لديك هـــذا النعت الملتصق بك دوما، وأصبحت تهتز غضبا كلما أومأ إليك الآخرون بالراحة التي تحياها: العمل والعطل..

أصبحت تخاف أن تلمس جلدك بعض الرفاهية كأنها الجرب، وتحب أن يراك الناس مسكينا لتبرر بخلك أو يروا تلاميذك جاهلين مستهتــرين لتبرر عجزك، أنت ككل الشرفـــــاء ترفض الاضطهــاد لكنك تمــارس اضطهادا على نفســك؛ ومن يهن يسهل الهوان عليه..

منذ متى أيها الرسول المفترض قرأت آخر كتاب، أو حضرت آخر محاضرة أو تابعت آخــر عرض فني، أو زارت فيـك روح الاطلاع ..عدا النقر على صفحة الواتساب أو الفايسبوك..

التعليم يقتل فيك روح الاطلاع هكذا تقول؛ وأقول لك: أنت الذي تقتل في التعليم هذه الروح..!!

لماذا تخاف أن تنحرف عن هذه الحدود المنمطة التي سطرها رجال مثقلون بسوء النية؟ حفنة من المنتهزين لسقوط البلاد كي يستعبدوا الشعب بالجهل والأمية..

لماذا ترى أن مسؤوليتك كصاحب رسالة تنتهي بعد أن تحمل إلى القسم جذاذات التحضير وتملأ دفتـــــــــر المذكرة اليومية بعناوين باهتة لدروس طاعنة في السن، وتفيء أوراق التنقيط بأرقام تتحول أحيانا الـــى سوط تأديبي كما يصر بعض المفتشين، ونتيجة هذا غياب الكفاءة؛ وحضور الانضباط الإداري العقيـــــــم وتفشي الأمية..

مسؤوليتك يا أستاذ تبدأ من اللحظة التي تعي فيها وجودك ككائن حر فاعل؛ وتتمظهر عند اشتغال عقول التلاميذ وعيونهم بالأسئلة فتحتويها.

لا تنتهي أبدا مسؤوليتك أن تعلم الأجيال ما الإنسان؟ ما الحياة ؟ ما الحب ؟ ما الحرية ؟ ما التفكير؟ داخل منظومة تحترم المقدس لدينا وتمضي في مسايرة الدروس المقررة..هذه مسؤوليتك أمام الله وأمام الإنسانية وليس فقط أمام الوزارة بكل هياكلها التفتيشية..

يجب أن تطالبها بحقك في أجر محترم فقط؛ لأنك مواطن حر في بلد حر وتؤدي مهمة نبيلة مقارنة مع الذين يحصون مالية الدولة من المحظوظين الأثرياء باسم الشعب في مجالس لا ينتخبها الشعب؟

لكن أقول لك: إن القهر سيظل سيفا على رقبتك ما دمت قاهرا لنفسك أمام تعاليم بدائية للشرطة التربوية، ستظل فقيرا وتلاحقك الأزمة ماديا ومعرفيا ونفسيا مادام هذا الخوض المتسلسل بعيدا عن أية حوافز على أساس الكفاءة والضمير لا الخوف من التراتب الإداري الفاسد..

ومادمت في آخر قائمة الإصلاح؛ ستبقى الأمية تكبر كبقعة زيت ولو تحـول المغــرب كله إلى فصــــــــل دراسي!
ابريك أمزون

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *