الثالوث الملعون: أو محرك الفتنة..

لن نقول بأننا وصلنا إلى نقطة اللارجوع، أو إلى هاوية لا يمكن نفاديها، فالوطن يبقى، قد يتعثر، لكن لابد وأن ينهض من جديد بخطى أدق.. ولابد من بصيص من الأمل، الذي، رغم كونه يخفت أحيانا إلى درجة تلهب فينا الشك، فإنه يظل يشعل فينا الأمل من أجل وطن أفضل.. 

مناسبة الكلام، ما نعيشه من تصاعد بارز للمطلب الاجتماعي، ومظاهر للاحتجاج المترامي، بدءا بالريف، ومرورا بعدد من المدن المغربية الأخرى، عبر وقفات وبيانات وتنسيقيات ومسيرات، وأحيانا اشتباكات مع الأمن، فيما يشبه مخاضا، تنامت معه اتهامات التخوين تارة، وتهديدات بالتصعيد، مقابل فساد أقرت به أعلة مؤسسات البلاد، نخر الإدارة، وجعل المواطن في خانة الهامش، في قلب الحديث عن التنمية البشرية..

إننا اليوم، أمام التصنيفات غير المشرفة للبلاد على مستوى عدد من المؤشرات المرتبطة بالنمو والتنمية البشرية، ومؤشرات التعليم والصحة والشغل والتغطية الاجتماعية، والرفاه، والسعادة، وغيرها، بغض النظر عن مؤشرات التنمية الاقتصادية ومعدلات النمو المتدنية، مجبرون على أن نسائل أنفسنا بجد: هل نسير في الطريق الصحيح؟

حراك الريف، أشعل ما صارت تسميه قنوات عالمية ب “ربيع مغربي جديد”، تولد منذ وفاة السماك محسن فكري، وتنامى في ظل التهميش وتنامي الفقر ومعدلات البطالة، ومسارعة الدولة للتخلي عن أدوارها الاجتماعية، بدءا بإلغاء المقاصة، ورفع الدعم عن أهم المواد، وتراجعها عن دعم التعليم العمومي والصحة العمومية، مقابل تقليص مناصب الشغل، وتعاملها الفج مع الحركات المطلبية، وما عشناه خلال السنوات الخمس الأخيرة، لم يكن السبب الوحيد لتفاقم الأزمة، بل كان الملح التي أيقظت الجرح، وعمقت الإحساس بالألم، والشعور العميق بالحكرة، وبفقدان الأمل..

منذ ستينيات القرن الماضي انطلق الهجوم على التعليم العمومي بالمغرب، وما انتفاضة 1965 بالبيضاء سوى مؤشر على ذلك، أما السياسات الاجتماعية الأخرى، فلم تكن لتحل معضلات الفقر والتشغيل وباقي الملفات، ليزيد من حدتها برنامج التقويم الهيكلي، واستمر التعاطي معها من باب تدبير الأزمات، ومراقبة الوضع من بعيد، خوفا من الانفلات، الذي نبهت له إضرابات عامة لم تخل من تهديد للأمن العام، ومن اعتقالات واغتيالات أحيانا..

شعارات الدولة وخطبها التي تستهدف الحالة الاجتماعية ظلت حبيسة معدلات لم تكن كافية لتحقيق الإصلاح والتنمية المنشودين، وجاء “العهد الجديد” لتستمر نفس السياسة، غير أنها عملت على الحفاظ على توازن أدنى لتحقيق ما سمي السلم الاجتماعي، والأمن العام، دون لهجوم على الفئات الوسطى والضعيفة، وظلت شعرة معاوية محافظة على دورها كنابض بين الحكام والمحكومين، دون أن تفقد الثقة اللازمة، غير أن حراك 20 فبراير أبان عن وجود خلل اجتماعي بين، واتضح أن المواطن مستعد للتعبير عن السخط إن أتيحت له الفرصة، لتتحرك الدولة سياسيا، بتعديل الدستور وإجراء انتخابات عامة، واجتماعيا برفع الأجور، كما تم تعميم تعليمات إدارية بضرورة الإنصات للمواطن، والتعاطي مع مظالمه بالجدية اللازمة، وتلبية حاجياته دون تماطل، في محاولة للرفع من قيمة الإنسان المغربي..

ونجحت تلك الإجراءات في تهدئة الوضع، ليخرج المغرب غانما من موجة عاصفة أصابت العالم العربي، ويمنح فرصة لحزب جديد من أجل قيادة حكومة رفعت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد وتقليص الفوارق الاجتماعية، امتدادا لشعارات الحزب القائد للتحالف الجديد، الذي رفع كل الشعارات التي تدغدغ المشاعر إبان فترة معارضته، وكأنه كان لسان الشعب الفصيح..

إن أول تصريح قطع مع الرغبة في إصلاح العلاقة بين المواطن والدولة حين قال رئيس الحكومة السابقة :”نريد أن نرجع للدولة هيبتها” وإنه لتصريح بالغ الخطورة، يبين أن بين الدولة والمواطن صراع كبير، مبني على أن تكون الدولة غالبة والمواطن مغلوبا، في وقت كانت المطالب بلغت سقفا عاليا، من أجل ملكية برلمانية، ثم انطلقت الإجراءات التي تنامى خلالها الثالوث الملعون: اليأس، اتهام الحكام بخيانة الشعب، وفقدان الثقة في المؤسسات..

اليأس تجدر خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعدما تحمل المهمة التنفيذية آخر الأحزاب السياسية التي لم يسبق لها دخول الحكومة، أي أن المواطن جرب آخر الأوراق السياسية، والصدمة تولد اليأس، اليأس من وجود مسؤولينقادرين على الإصلاح، والحديث والتخطيط باسم الشعب، ومن أجل الشعب، فقد تنكر الحزب الحاكم آنذاك لحركة 20 فبراير، وكان أول من حاربها، ثم توجه نحو أبناء الكادحين، وأكد عزمه على عدم تشغيل المعطلين أصحاب المحضر الموقع مع الحكومة الأسبق، ثم أقسم أمينه العام، رئيس الحكومة بأن لا تشغيل سوى بالمباراة، قبل أن يشغل أبناءه دون مباراة، وأعاد القسم الغليظ بأن من أضرب سيتم اقتطاع فترة الإضراب من أجرته، دون سند قانوني، وأقسم مجددا بأنه سيمرر القانون الملعون للتقاعد، ثم مرره بطريقة تلاعب فيها بإرادة البرلمان والنقابات والموظفين، ثم أخرج الأطباء والممرضين للشارع، وسن مرسومين تسببا في خمسة أشهر من الاحتجاج في صفوف الأساتذة المتدربين، وجمد الحوار الاجتماعي، ثم منع أي زيادة في أجور العمال الكادحين والموظفين، بل مس جيوب هؤلاء وانتقص من أجرتهم وكأن مهمته تقتصر على التضييق على أبناء الشعب..

قرارات مثل هاته، لا يمكن إلا أن تولد الشعور باليأس، ولم تتوقف الحكومة السابقة عن ذلك، بل رفعت الأسعار وسلمت قطاع المحروقات للخواص، لتشعل قطاعا حساسا، ثم قلصت مناصب الشغل وميزانيات التجهيز، بل حتة حراس الأمن الخاص والمنظفين مسهم التقليص، رغم أن أجرتهم لا تتجاوز 1500 درهما مع غياب كل الحقوق الاجتماعية، وكم تشردت من أسرة جراء ذلك، في وقت كنا نتمنى فيه أن يتم دعم الأسر لا تشريدها.

إن سياسة الحكومة السابقة كان وقعها أخطر مما تم تنفيذه خلال التقويم الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي، وتم تنفيذها بشكل غير معلن، ما أثر على عجلة الاقتصاد، والقدرة الشرائية، مقابل تزايد الاعتماد على الثقل الضريبي، ليتراجع النمو بشكل مهول..

سياسة كهاته أكدت على أن القطاعات الاجتماعية عاشت أتعس فتراتها بالبلاد، بل عرفت هجمة غير مسبوقة، توجت بتصريح مثير لرئيس الحكومة حين قال :”آن للدولة أن ترفع يدها عن التعليم والصحة” وهو ما ولد التشغيل بالعقدة، التي اعتبرت خطة دنيئة لضرب الاستقرار الاجتماعي، والعمل النقابي، وتحكم الدولة في المواطن دون تمكينه من أبسط الحقوق، ليصير مجرد مياوم في يد الإدارة، تسرحه لحال سبيله متى شاءت..

تخلت الحكومة مقابل ذلك عن وعودها بمحاربة الفساد، وسن ضريبة على الثروة ودعم الفئات الفقيرة بأموال المقاصة، واستمر نقض الوعود، ليتولد شعور بأن الأحزاب السياسية خانت ثقة الشعب، وهو شعور لم تعره الدولة الاهتمام الكافي للتعامل معه، ومحاولة تلميع الصورة، عبر اتخاذ إجراءات لتخليق الحياة السياسية، والقطع مع إفلات السياسيين من العقاب، ووقف الامتيازات والريع الذي تفاقم دون رقيب..

ملفات عديدة جعلت شعور المواطن باليأس والخذلان يتزايد، ومن أمثلة ذلك، التشهير بالفساد وتبادل الاتهامات بين السياسيين دون أن تتحرك النيابة العامة، وقضية أزبال الطاليان التي أثارت قلق المواطنين دون أن تتوقف، وكذا فضائح السياسيين التي لا تكاد تنتهي حتى تظهر أخرى، كقضية البرلماني الذي انتشرت صوره وهو يستمني عبر الويب كام ويمسح بورقة بنكيةمن فئة خمسين درهما أمام مشاهد لمراهقة ساخنة، قابلها رئيس الحكومة بالدعوة إلى عدم تضخيم الأمور، تلتها ملفات الملايير التي تصرف دون مراقبة، وملف ملعب الرباط، واتهامات لوزير بتقديم رشوة من أجل الاستوزار، واتهامات لآخرين بتقديم شواهد لا تعكس مستوياتهم الأكاديمية، ناهيك عن قفز التقنوقراط نحو الأحزاب لنيل حقائب وزارية بين عشية وضحاها، دون أحقية أو تاريخ نضالي.. وطريقة تجاهل ملف “خدام الدولة” وقضية رخص النقل والصيد في أعالي البحار ورخص المقالع، التي تمت إثارت جزء بسيط منها دون أي تصحيح للوضع/ وانتهت الفترة الحكومية دون تقديم الحساب، وانصرف كل إلى حاله مطمئنا بإخماد الحراك وإعادة الأمور إلى نصابها، بعضهم منتش بالنصر، ومتباه بأن الشعب راض كل الرضا عما تم تحقيقه واتخاذه من قرارات..

صمت الشارع المغربي لم يأت نتيجة التعاطي الإيجابي مع مطالبه، وتطلعاته، وحاجياته التي لا بد أن تتنامى بشكل يتماشى مع التطور والسيرورة الحضارية، والامتزاج الفكري والثقافي بالآخر، خصوصا وأننا على أبواب أوربا، نتطلع لعيش أفضل، ولديمقراطية تحمي من الظلم والاستبداد والحكرة وتضمن الحدود الدنيا من الكرامة والعدل والعيش الكريم..

 حراك الريف وتعاطف المغاربة معه، لم يأت من باب الترف الاجتماعي، أو التقليد غير المسؤول، بل جاء بعدما اكتملت أضلع الثالوث اللعين، بتولد الإحساس بفقدان الثقة في المؤسسات.

تأسس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتأسس هيئة الحماية من الرشوة، ومجلس المنافسة، وقبله مؤسسة الوسيط، وانضموا إلى المؤسسات المؤسسة للنظام المغربي، برلمانا وحكومة ومجالس منتخبة، تحت نظام ملكي دستوري.

كل تلك المؤسسات لم تحم المواطن من قضاء لا يتساوا فيه اثنان، ومن مستشفيات لا تقبل ولوجها دون أداء، ولا من مدارس عمومية تعج بالعنف وبضعف الجودة والهدر المدرسي وبالاكتضاض وقلة الإمكانيات والموارد البشرية، ومن إدارة ينخرها الفساد، ومن أمراض اجتماعية ساهمت في نشر الدعارة وألعاب الرهان لمواجهة شبح الفقر والتهميش..

وإذا كانت ثروات المغرب متعددة ومن الصعب حصرها، فإن مشاكل الوطن تتزايد، في ظل التعاطي الضيق مع الحاجيات والمطالب، وتراجع خطير في دور الأحزاب والنقابات والجمعيات، التي تعرضت للتدجين المطلق، حتى صارت غير قادرة على التأطير والتوعية والتكوين، لتظهر الصورة المخيفة اليوم لمواطنين وجها لوجه أمام الدولة رافعين لوائح ثقيلة من المطالب، دون وسيط بينهم وبين مؤسسات الدولة، وهو أمر خطير يجعل إمكانيات الحوار ضعيفة، مقابل اعتماد العنف والعنف المضاد، وتبني الحلول الأمنية الصرفة..

إن الثالوث المذكور، لا يصيب مجتمعا إلا هدده في استقراره، وزرع فيه بذور الفتنة، وإنه لمن الخطأ الجسيم أن تفكر الدولة يوما في التخلي عن أدوارها الاجتماعية، فهي صمام الأمان، الذي يضمن الحد الأدنى من الثقة والأمل، ويحافظ على بناء المواطنة التي لا تتزعزع رغم كل الصدمات، مقابل التخلي عن جعل المواطن مجرد خديم يكدح من أجل الدولة، دون أن تفكر في مسؤولياتها تجاهه، تتجاهل حقوقه الأساسية، وتتركه للفساد يطيح بعزيمته، ويقتل ثقته، وينمي لديه الإحساس بالخداع، آنذلك يغيب دور الدولة، وتُفتح أبواب المجهول.

عبد الحميد سرحان

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *