حديث الجمعة.. الحلقة رقم 01: لن أتخل عنك.. يا جماعتي!

انعقد يوم الأحد فاتح أكتوبر من الساعة التاسعة صباحا إلى غاية الساعة الواحدة زوالا، بمقر جمعية زهور للعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة الرئيسي، بقرية تالغزة – جماعة سيدي عبد الله الخياط – دائرة زرهون – عمالة مكناس – ولاية فاس-مكناس… 

وبمبادرة من جمعية زهور نفسها، لقاء تواصلي جمع عشرين مشاركا من قرى تالغزة والقلعة وحفرة بن الطيب على وجه الخصوص، وبحضور ممثل السلطة المحلية، لتدارس المشاكل التي تعيشها هذه الجماعة والتي أضحت تتفاقم كمّا وحجما بتأثير مباشر على السكان ومحيطهم؛ أسبابها، آثارها، الحلول الممكن اقتراحها، وكذا كيفية تنفيذها في إطار احترام تام للقانون والمؤسسات.
وقد شُرّفت بالإشراف شخصيا على تنشيط هذا اللقاء، الذي اعتمدت فيه تقنيات التواصل الحديثة كتأطير الحوار، أو العصف الذهني، أو تسهيل مساهمة كل المشاركين في النقاش، مما يسر إدارته، وأغنى عطاءه، وساعد على ضمان جودة مخرجاته.
مر اللقاء من مرحلة التواصل، إلى مرحلة الحوار، ثم النقاش، لنصل في النهاية إلى الاستئناس ولو نسبيا ببعض تقنيات المفاوضات ثم الترافع في إطار استعمال القانون واحترام المؤسسات، وذلك من أجل معالجة المشاكل وإزاحة العوائق، بعيدا عن نشر الفوضى، أو البحث عن متهمين.
وتبين من خلال هذا اللقاء، الذي كان صادقا وعفويا، أن سكان جماعة سيدي عبد الله الخياط، وعلى غرار سكان جبل زرهون عامة، هم من أكثر المواطنين المغاربة حبا لوطنهم، واحتراما لثوابته. جلهم أقرب إلى الفطرة منه إلى الدهاء وارتكاب الموبقات دون سبب، نظرا لارتباطهم بالأرض والطبيعة، كما أن نسبة كبيرة منهم يعانون من الفقر والجهل والتهميش، مما يجعلهم عادة صيدا سهلا ولقمة سائغة لكل مسؤول لا ضمير له أو مستشار لا ملة ولا دين له.
وهكذا تُهضم حقوقهم بدهاء، ويُدفعون دفعا إلى حمايتها أو الدفاع عنها بطرق عدوانية أحيانا أو عشوائية أحيان أخرى، فتُشيطن تصرفاتهم ومن تم يصبحون من حيث لا يتوقعون ضحية مع وقف التنفيذ ومجرمين خطيرين تجب محاكمتهم ومعاقبتهم، أما جلادوهم فيضحون مجرمين مع وقف التنفيذ وضحايا تجب مؤازرتهم وحمايتهم.
ولتوضيح هذا المشهد البئيس أكثر، سأتوقف معكم أيها الأعزاء عند مثال واحد فقط. فكما هو معلوم لدى أصحاب القرار على الأقل، فإن الديمقراطية التشاركية التي نتغنى بها خاصة في المحافل الدولية، تقتضي اعتماد مثلث فيما يتعلق بتدبير الشأن العام وإن كان متفاوت الأضلاع: ضلع طويل للإدارة، وضلع لا بأس به للجماعة الترابية، وضلع رمزي مهما كان قصره للمواطن من خلال مؤسسات المجتمع المدني، المهم أن يكون هناك مثلث مهما كان مشوها، فهو مقبول على كل حال، على الأقل في الظروف الراهنة.
ومن أجل ذلك، كان لابد من مجتمع مدني محلي كيفما كانت علله ونقائصه، ليملأ مقعده ويتعلم من أخطائه، ويتطور وينمو مع الوقت بالممارسة والاحتكاك. وإذا كان المجتمع المدني في جماعة سيدي عبد الله الخياط حديث العهد، يستطيع بالكاد التقاط أنفاسه لينطلق نحو الحياة، وعوض أن تبادر السلطات المحلية والجماعة الترابية إلى مساعدته وتأهيله، أو على الأقل أن تتركه وشأنه وذلك أضعف الإيمان، فقد تكاتفتا وتضامنتا ووضعتا كل خلافاتهما جانبا ، إن كانت هناك خلافات أصلا، من أجل القضاء على هذا الضلع بصفة نهائية، ليتم بعد ذلك تدبير شؤون جماعة مترامية الأطراف، هي الأكثر سكانا بالدائرة وتنوعا وثروات وإمكانات، ولكنها بالمقابل هي الأكثر فقرا وأمية وتهميشا ومعاناة وضعفا في البنيات التحتية، وتدبيرها من خلال مثلث لا زاويا له، أضلاعه قطعة واحدة متطابقة، تنوب فيه السلطة والجماعة عن كل المواطنين بقراهم وأطيافهم وجمعياتهم، لا داعي لأن ينشغلوا بتدبير شؤونهم أو يناقشوا مشاكلهم، فهؤلاء يكفونهم ذلك، وما على السكان إلا أن ينظروا ويشكروا، ففي نهاية المطاف الفقر ليس عيبا والجهل ليس عارا، وحتى العطش فهو قابل للتحمل في بعض الأحيان، فالصبر عليه من شيم المواطنة …
ولكي يقضوا على انبعاث مجتمع مدني محلي طبيعي، ابن بيئته ومنسجم مع محيطه: يتألم لأوجاعه ويعبر عن همومه، كان لابد أن يخلقوا مجتمعا مدنيا صوريا بديلا، وهكذا أنشأ كل مستشار جماعي جمعية تسمى باسم دائرته وتروى على قدر نفوذه، قطعت الطريق من خلال اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي ينفرد المجلس الموقر بالتحكم المطلق فيها، عن أي مبادرة أو نشاط من هنا أو هناك، بتواطؤ واضح لقسم التنمية البشرية بعمالة مكناس، والذي لم يتردد سنة 2013 على سبيل المثال، من تسهيل استفادة الجمعيات الثلاث لمستشاري المكتب الجماعي لسيدي عبد الله الخياط، ومنها من أنشأت آنذاك تحت الضغط في وقت قياسي، من منحة من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن قدرها 250.000,00 درهما لكل واحدة منها بمناسبة الزيارة الملكية للإقليم آنذاك، في تحيز واضح لجماعة بل لمكتب بل لمجموعة بعينها من المستشارين، على حساب دائرة ومدينة (مولاي إدريس زرهون)، يضمون أكثر من 150 جمعية فيها من تاريخها أكبر من تاريخ الجماعة نفسها.

وقد كان طبيعيا أن يؤثر ذلك على النمو العادي والطبيعي للمجتمع المدني المحلي وإحباط فعالياته الحية.
أما رئيس الجماعة، فقد كان أكثر فطنة وأشد تسلطا بتأسيسه لما يسمى: “جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي جماعة سيدي عبد الله الخياط”، وهي سابقة إلا أن الهدف منها ليس الاهتمام بموظفي الجماعة والدفاع عن مصالحهم، ولكن وتأكيدا لما أسلفنا، أمسى واضحا أن الهدف من هكذا جمعية إنما هو الالتفاف على المجتمع المدني الطبيعي وخلق “وحش جمعوي/جماعي” يستغل إمكانيات وموظفي وسلطة الجماعة، ويستولي على منابع الدعم المتعددة بمساعدة الجماعة، ليلتهم بعدها كل الجمعيات التي قد تقف أمامه خاصة الضعيفة منها بمساعدة السلطة المحلية عبر تعطيل الوصول، والتضييق المباشر وغير المباشر على النشطاء الجمعويين على قلتهم، وتعطيل مصالحهم وحقوقهم … وهكذا أضحت جمعية الجماعة وكأنها الممثل الوحيد والشرعي للمجتمع المدني الخياطي بصفة رسمية ودون منازع، فالتهمت فور إنشائها جميع المشاريع وأخذت تفترس كل الجمعيات التي سبق وأن كانت لها شراكات مع بعض القطاعات بسبب تمردها أو عدم انضباطها لأوامر الرئيس، كما هو الشأن بالنسبة لجمعية حفرة بن الطيب مثلا، التي لم يكتفوا بطردها من المشاريع التي كانت تديرها، وتحويلها كلها لصالح هذه الجمعية الأخطبوط، بل أخذوا كل وثائقها وتكلف السيد القائد بالباقي بتماطله دون وجه حق في تمكين أعضاء هذه الجمعية من وصل مؤقت إثر وضعهم لملفهم القانوني، بعد عقدهم لجمعهم العام وانتخاب مكتب جديد، ليتم وضعها في غرفة العناية الجماعية في انتظار الإعلان الرسمي عن وفاتها.
المثال الثاني :جمعية آباء وأولياء تلاميذ مدرسة تالغزة الابتدائية. فبالنسبة لهذه الجمعية، وقف مديراها السابق والحالي، وقفة الأبطال، ضد كل محاولات الآباء لتجديد مكتبها، وعندما أصر هؤلاء على عقد جمعهم العام ولو خارج المؤسسة، أبى السيد القائد استقبال ملفهم القانوني رغم توصله بالإشعار في وقته، ليتذرع في كل مرة بذريعة خيالية طالبا تأجيل النظر في معالجة “المشكل” أسبوعا بعد أسبوع ربحا للوقت، وكأن الهدف هو أن يمل الناس ، خاصة إذا كان المتطوعون من الآباء الذين تكلفوا بملف هذه الجمعية عليهم أن يقطعوا ما بين 7 و15 كلم في كل مرة حسب مكان تواجد السيد القائد مع تحمل معاناة التنقل، وذلك ما بين تالغزة وحفرة بن الطيب ثم المغاصيين وفي بعض الأحيان حتى سيدي علي، بهدف أن يعرفوا فقط هل سيستقبلهم السيد القائد أم لا؟ وإذا ما استقبلهم، فما هو يا ترى العيب القانوني أو الإداري أو المسطري أو الأخلاقي الذي قد يشوب طلبهم هذه المرة؟ ليطلب منهم العودة مرة أخرى في الأسبوع الموالي.
ليتبين لاحقا أن هذه المدرسة تتبع لنفوذ أحد نواب الرئيس المتنفذين، حسب تقطيع “سايس – بيكو” “الجماعي – الجمعوي” الشامل، وإبرامه على حسابها لعدة شراكات لم يكن أحد من السكان يعلم بها، خاصة على مستوى قرية تالغزة، رغم تواجد السيد المستشار بقرية القلعة، ولا علاقة له بقرية تالغزة التي يمثلها عدة مستشارين لا أثر لتحركاتهم على الإطلاق، كونهم كانوا يطمعون في الفوز بالسيطرة على المكتب، فباؤوا بالفشل، ولم يبق لهم إلا جلباب معارضة لا يسمن ولا يغني من جوع، وهذا موضوع آخر سنعود له لاحقا إن شاء الله.
المثال الثالث هو جمعية زهور للعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة نفسها، هذه الجمعية العملاقة بعملها ومصداقيتها، التي لها أكثر من 14 سنة من الوجود، والتي حظيت باستقبال ملكي كريم، ومثلت المجتمع المدني الوطني في المحافل الدولية، وتتوفر على منبر إعلامي وطني “مجلة زهور”، وتدير مركزا جهويا للوساطة الاجتماعية، وتحتوي على مقرين، كما أنها لم تعرف يوما ولم تكن تريد أن تعرف أصلا أن هناك دعما من الجماعة، وحتى ولو كان فلن تتسابق على طلب الاستفادة منه، لم تسلم من هذا المخطط الجماعي-الجمعوي الجهنمي، حيث عطل السيد القائد وصلها النهائي أربعة عشر شهرا عن موعده، كنا نحسبها صرامة مشبعة بالوطنية الصادقة في تطبيق المساطير، وحرصا من رجل سلطة، آلت له قرارات الحسم في تنمية منطقة أو تخلفها، على العدل في تطبيق القانون، إلا أن هذا لم يزدنا إلا قناعة بمحاولة القضاء على المجتمع المدني الشريف أو على الأقل إضعافه، لصالح جمعيات سياسوية، تتوصل بوصولها دون عقد لجموعها كما يجب، يقودها أناس كان الأجدر بهم الوفاء بمهامهم الجماعية، وموظفون كان الأولى بهم الانكباب على خدمة المواطنين كموظفين قبل كل شيء، لا القفز على ذلك كله والتسابق نحو مسؤوليات أخرى لا علاقة لهم بها ولا طاقة لهم عليها، اللهم الهيمنة والاستبداد وتحقيق مصالح شخصية ضيقة على حساب حياة ومستقبل ومصير جماعة بأكملها.

وضع أذكى النعرات، ووسع الفوارق بين الناس، وخلق احتقانا غير مسبوق. لقد صارت الجماعة وكأنها في معمل مغلق لإنتاج البؤس والفقر والتخلف، ومعمل ثان من ورائه لاستغلال هذا البؤس وهذا الفقر من باب الشفقة المزيفة والمساعدة الكاذبة من خلال تمثيلية سيئة الإخراج لما يسمى بـ”التنمية البشرية المحلية” أو “المشاريع التنموية الجماعية”.
والأدهى من هذا وذاك أيها الأعزاء هو أنه عندما يحتك شخصان بسبب الضغط المهول، أو تتشاجر عائلتان بسبب الاحتقان، أو تتصارع قبيلتان بسبب أو بدون سبب، أو يعتصم سكان قرية أمام مؤسسة ما لأنهم لم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون أمام عطش أو تحقير أو استغباء، تُشيطن أفعالهم، ويصبحون فوضويين ومتخلفين، أما من فعل بهم ذلك، فسادة محترمون، و”مناضلون نبلاء”، لا يريدون إلا تكريس حياتهم وكفاءاتهم وخبراتهم لخدمة الآخرين، منهم من نسي أو تناسى ماضيه القريب، واستأنس المكاتب الواسعة، والصالات المكيفة، والسيارات الفارهة، بل وأصبح يتقن ربطات العنق … قد يقول قائل وما العيب في ذلك؟ نقول هذا حق مشروع لمن كد واجتهد … لا أن يكون على حساب بؤس وفقر جماعة. مسكينة هي جماعتي.
ولذا أرجو من جميع الشرفاء والغيورين أن يقولوا بصوت واحد ولو لمرة واحدة في حياتهم: لن أتخلى عنك … يا جماعتي، ويتبعوا ذلك ولو بفعل بسيط، فإنه رغم الفساد والنهب وسوء التدبير، لازلت قراكم على بساطتها شامخة تصيح دون مبالاة: مهما أفسد المفسدون لن يمزقوا تاريخي العريق، ومهما مكر المستبدون فلن يطردوا بركاتِ أرضي التي تضم أولياءَ وصالحين، ومهما نهب اللصوص والسارقون فلن يفنوا غلات بساتيني المسترسلة َمن زيتون وتين… إنما للفساد ساعة قصيرة مهما طالت … وستعود الجماعة لشرفائها الذين يتقنون لغتها، ويعرفون أصلها، ويصونون عرضها … حينها طوبى لمن صاحب الشهامة ودافع عن الحق وصبر على البلاء … وسحقا للذين غيروا لون جلودهم، مرات ومرات كالحرباء، للفاسدين والخونة، للذين استلذوا الحرام، أو باعوا أنفسهم بشهادة أو تصريح أو رخصة بناء … وللذين خربوا بلادهم بأيديهم، عن قصد بسبب الحقد والجهل والعناد والغباء.

طاب أسبوعكم، وإلى اللقاء في الجمعة القادمة بحول الله.
محمد المداني: مهندس وخبير في الجودة وتدبير المشاريع

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *