حديث الجمعة2: المواطن الأسبوعي

إذا كان المغربي على العموم، وفي جل الأحوال سواء داخل العديد من مناطق الوطن أو حتى في الكثير من دول المهجر، يتمتع بنسبة مهمة من حقوقه الوطنية في ظروف مناسبة، مما يجعله يشعر بنفسه مواطنا مغربيا طبيعيا، وفي كثير من الأحيان دون أن يعير لذلك أي اهتمام لأنه في نهاية المطاف شيء عادي ومألوف في كل الدول التي تحترم نفسها… 

وذلك من خلال احترام مواطنيها وتقديس حقوقهم، فإنه وبالمقابل هناك شريحة غير يسيرة من أبناء هذا الوطن لا يحسون أنهم مواطنون؛ أي أن لهم ولو نسبة من نصيبهم في وطنهم، إلا يوما واحدا في الأسبوع.

إنهم مع الأسف الشديد، الكثير من أبناء وبنات الجماعات الفقيرة والمهمشة من عالمنا القروي، والذين كان من المفترض أن تسخر من أجلهم، ولربما أكثر من غيرهم، كل الإمكانات وتوظف كل الطاقات، في سبيل إنقاذهم من كثير من المعاناة، وتعويضهم ولو معنويا، عن فترة طويلة، لا زلت متواصلة إلى الآن، من القهر والحرمان واللامبالاة.

فعلى غرار الأسواق والتظاهرات والمناسبات الأسبوعية، أضحى لنا في مغربنا العزيز مواطنون أسبوعيون. هم أناس استأنسوا، فأصبح وكأنه أمر عادي، أن لا يلتقوا بوطنهم إلا مرة واحدة في الأسبوع، وكل الأيام الستة الأخرى، إنّما وكأنهم مواطنون مع إيقاف التنفيذ. فهم لا يولدون إلا في ذلك اليوم من خلال طلب عقود الازدياد، ولا يحيون إلا فيه من خلال طلبهم لشواهد الحياة، ولا يتزوجون إلا عنده بطلبهم لوثائق الزواج … ولا يموتون إلا فيه بتسجيلهم لموتاهم. إنهم أناس حياتهم لا تقاس بأجزاء المئة من الثانية كالمواطن الياباني مثلا، ولا بالدقائق كالأوربي، أو بالأيام كأي مغربي عادي أو بالأحرى كأي كائن حي، بل بالأسابيع، ممّا يجعل السنة عندهم، تقابلها سبع سنوات عند الآخرين. وكأن تجريدهم أحيانا من أبسط ظروف العيش الكريم، لم يعد كافيا ليتعداه إلى تقليص “أعمارهم”.

والأدهى من ذاك كله، هو الحالة التي يعيش عليها هؤلاء البسطاء في أغلبهم، هذا اليوم، وكيف يتواصلون مع وطنهم، وكيف يستشعرون وطنيّتهم ويتذوقون لذتها من خلال طلب قضاء بعض من حوائجهم الإدارية والقانونية. إنه يوم، كيوم الحشر؛ تجتمع فيه الحشود زمرا زمرا، وتشرئب فيه الأعناق، وتشخص فيه الأبصار حول قبلة واحدة: وهو المكان الذي قد تظهر منه عن بعد، سيارة السيد القائد ومركبة السيد الرئيس. إنها لحظات انتظار عسيرة، قد تمتد لساعات، وقد تنتهي في بعض الأحيان بتعذر رؤية الهلال، ومن تم مواصلة الصيام حتى الأسبوع القادم، وما يصاحب ذلك من خيبات وإحباط قد يؤدي ثمنها أحيانا، الأبناء والزوجات، أو الأقارب والجيران، حينها قد تمسي الزيارة المقبلة، بعد شكاية من هنا، وتحريض من هناك، زيارة إجبارية، ستجعل الأيام الستة المقبلة أكثر ثقلا على قلب ذلك البئيس، الذي لم يعرف كيف يضبط غضبه، وكيف يحب وطنه، من سويعات الانتظار تلك، التي على قسوتها وجسامة عبئها، كان الترويح عن النفس فيها مباحا، على الأقل بكلمة أو ابتسامة أو حتى قهقهة. إنه يعرف تمام المعرفة أنه سيتهم بالاعتداء على حقوق الآخرين والعبث بمصالحهم، وهذه جرائم خطيرة يعاقب عليها القانون. لقد نسي وثائقه ولم يعد يفكر فيها نهائيا، وياليته لم يفكر منذ البداية في إسقاط أبيه من الحالة المدنية، ففي كل الأحوال المرحوم قد مات، سواء سقطوه أم لم يسقطوه من ذلك السجل المترهل الذي لازال يقاوم، في مغرب يقال عنه رقمي حديث.

إنها حال أبناء جماعة سيدي عبد الله الخياط على سبيل المثال. هؤلاء الذين يزيد بؤسهم عن الآخرين من إخوانهم في أماكن أخرى، لأن جماعتهم توجد في مكان لا سوق فيه ليجمعوا بين التسوق وقضاء حوائجهم الإدارية، ولا مقهى ولا مطعم ليستريحوا فيهما ويستعينوا على سفرهم وقساوة الطقس هناك ببعض من الأكل وما تيسر من الشراب. مكان أحسن ما فيه أنه يذكر زائريه بيوم المحشر لعلهم يتذكروا، ويستفيقوا، ويرحم بعضهم بعضا.

والميزة الثانية لهذه الجماعة، والتي استغلت بدهاء من طرف مكتب الجماعة وبعض موظفيها بالخصوص، هو هذا الفائض الضخم من الوقت الذي أضحى نقمة يجب التخلص منها، فأنشئت بذلك جمعية الأعمال الاجتماعية للجماعة عسى أن تكون إطار مناسبا ومشروعا لاستكمال مناقشات المكتب الموجزة والسريعة، بمناقشات أخرى أكثر تعمقا وتعقيدا، في كيفية “تنمية الجماعة” و”الدفاع عن مصالح سكانها”، بمباركة ومساعدة من السلطات المحلية، التي لم تناقش كما تفعل عادة مع المجتمع المدني المحلي الحقيقي، ما الدافع من وراء ذلك، ولماذا هكذا جمعية؟ وهل للموظفين الحق في التدخل في مصالح واهتمامات الساكنة؟ هم من يسير النقل المدرسي، وهم من يشرف على ملاعب القرب، وهم من يسير “المركبات السوسيو-إقتصادية”، وهم من يشرف على “التعليم الأولي”، وهم من يحدد احتياجات الساكنة، وهم من يحدد الأولويات… ومن جهة أخرى نجدهم عند الرخص والتصاريح والعقود، أليس هذا استبدادا؟ ألهذا الحد فعالياتنا المدنية لا كفاءة لها؟ ألهذا الحد سكان المنطقة، الذين تتوزع مجموعات من خيرة أبنائهم على الوطن كله في خدمة مناطق أخرى، صاروا كالقاصرين يحتاجون إلى كفيل مستبد يشرف على كل شؤونهم بطرق ارتجالية وعشوائية دون عنوان؟

كنا نتمنى أن يهتم كل ذي مسؤولية بمسؤوليته على الوجه المطلوب، لا أن يستغلها لصالحه وأحيانا بطرق بشعة ومشوهة. احترمنا هؤلاء الناس ربما أكثر من اللازم، بل وعرضنا عليهم مساعداتنا في خلق مشاريع محلية تنموية حقيقية؛ مشاريع تنبثق من الواقع وتتغذى منه وتسقى من مائه الطاهر، لتنمو وتكبر، وتعطي أكلها ليس فقط الاقتصادي، بل وخاصة الثقافي والاجتماعي والبيئي. جماعتنا جماعة خير وبركة، طيبة لا تقبل إلا طيبا. كنا نتمنى استغلال التقنيات الحديثة التي أصبحت الآن في متناول الجميع، لخلق مراكز على مستوى كل القرى مثلا مرتبطة بحاسوب مركزي بالجماعة، لتسهيل خدمة الوثائق الإدارية أو على الأقل ملئها قبل المصادقة عليها، كنا نتمنى الانخراط بمقاربة تشاركية حقيقية في مشاريع محلية شاملة ومندمجة، تهم البنية التحتية، والتنمية الثقافية، وكيفية الإقلاع بالقطاعين الفلاحي والسياحي بالجماعة بمنهجية علمية ومهنية، ومخطط مدروس يستقطب الشركاء ويحفز المستثمرين، كنا وكنا … لكن ورغم كل ذلك فإننا لن نيأس، ولن نتراجع … إنما هي صرخة من أجل الاستمرار، ونرجو أن يصبح إخواننا قريبا، كباقي المغاربة مواطنين في كل يوم.

طاب أسبوعكم، وإلى اللقاء في الجمعة القادمة بحول الله.
محمد المداني: مهندس وخبير في الجودة والتدبير
الجمعة 12 أكتوبر 2017

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *