حديث الجمعة3: حين يصبح الماء.. نقمة!

الماء هو أصل الحياة، فمنه جعل الله كل شيء حي، وبدونه ينتشر الموت وترحل الأرواح، وبذلك كانت للماء قيمته الخاصة التي لا تقدر بثمن، ولا يعلم قدرها إلا خالقه سبحانه وتعالى… 

وقد حبا الله بلادنا؛ المغرب، بموارد مائية مهمة، منها ما هو سطحي، كالأنهار والعيون والبركات، والسدود، بالإضافة إلى ملايين الأمتار المكعبة من مياه الأمطار التي لا نحسن تخزين واستغلال إلا جزء يسير منها، ثم منها ما هو جوفي، قسم كبير منه يُستنزف بطريقة عشوائية غير محسوبة العواقب.

وتعاني الثروة المائية ببلادنا بالدرجة الأولى، من سوء تقديرها، وعدم تثمينها، إذ تُبذّر بشكل لا حدود له، وتستنزف بطرق لا مثيل لها، مما جعلها عرضة لندرة متصاعدة، تُصعّب، مع الوقت والضغط الديمغرافي، إدارة تخزينها وتوزيعها، وحسن استعمالها، وضبط اقتصاد استهلاكها. زيادة على ذلك، وكأن الأمر لم يعد كافيا، فقد صارت دائرة من يساهم، عن قصد وعن غير قصد، من أجل مصالح ذاتية جد ضيقة، في تلويث مخزونات هذه المياه والعبث بمجاريها، تتسع يوما بعد يوم. وهذا ما أضحى يهدد المنظومة الحياتية بأكملها من إنسان وحيوان ونبات، ويزعزع توازن المحيط الإيكولوجي في كثير من المناطق والجهات، بل ويتعدى ذلك ليؤثر سلبا حتى على الآتي من الأجيال، دون رضاهم ورغما عن براءتهم.

ولمعالجة هذه الإشكالية التي صارت تتعقد بشكل متسارع، كان لابد من إجراءات استراتيجية شاملة، تتضمن ما هو قانوني ومسطري، وما هو هيكلي ومؤسساتي، وما هو إرشادي وتوجيهي، وما هو ثقافي وتربوي، وما هو رقابي وزجري، وما هو تحفيزي وتشجيعي، إضافة إلى خطط استباقية لمعالجة الأزمات المحتملة … فرغم المجهودات المبذولة خلال العقدين الأخيرين على وجه الخصوص في المجال التشريعي مثلا، لازال الأمر يتطلب عملا أكبر من أجل إنتاج مدونة قانونية متكاملة، تحيط بشكل شامل بكيفية تثمين المياه، والمحافظة عليها، وترشيد استهلاكها. أما من الناحية المؤسساتية، فكيف يعقل أن يتوزع تدبير ومتابعة هذه المادة الحيوية، بين أكثر من خمسة قطاعات، مع الغياب الشبه تام للجانب التحسيسي، والانخراط المحتشم للمؤسسات التربوية، وضعف التوعية الدينية …

على المستوى المحلي وخاصة في العالم القروي، للجماعات الترابية دور مهم وحساس فيما يتعلق بتدبير الماء. فإنه من المفروض أن تكون للمكتب استراتيجية محلية متكاملة في هذا الشأن؛ يعرف من خلالها الثروات المائية للجماعة ومدى أهميتها وتوزيعها عبر ترابها، الطلب الحالي والمحتمل بالنسبة للماء الصالح للشرب للساكنة، أو لسقي الماشية، أو للاستعمال الفلاحي …، وهو ملزم بتعاون مع السلطات المحلية والمصالح المختصة، وبشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، بالعمل على توفير ما يحتاجه السكان من ماء، وبالقدرة على تدبير الأزمة عند ندرة هذه المادة الحيوية أو عدم توازن توزيعها بين القرى والمناطق. نحن لا نطلب من المستشارين المحترمين أن يكونوا خبراء أو أساتذة في هذا المجال، إنما، وكما كانوا يعلنون عن ذلك إبان حملاتهم الانتخابية، أن يسهروا قدر الاستطاعة على توفير أبسط الخدمات التي يحتاجها المواطن، وأن يلتزموا بصيانة أهم حقوقه، مما يتطلب صدقا في النية، وصراحة في القول، وشهامة في السلوك، وجودة في العمل…

ألا يفي المكتب بهذه الالتزامات أو لا يوفر الكثير من هذه الخدمات، إنها وضعية اعتادها المواطن بصفة عامة والقروي منه على وجه الخصوص، وسكان جماعة سيدي عبد الله الخياط بصفة أخص، حتى أن بعضهم أمسى ينتظر أشهرا معلومة من السنة ليتذوق حلاوة العطش مثلا، ويقلل ولو لفترة من شرب الماء، والاكتفاء بالتيمم بدل الوضوء. ولكن أن يتجرأ أحد مستشاري هذه الجماعة، بمباركة من مكتبها ومساندة من السلطة المحلية، على التلاعب بالماء الصالح للشرب لقريتين (تالغزة والقلعة) والمضاربة فيه في عز ندرته، في استغلال شخصي بشع للعمل السياسي الذي من المفترض أن يكون نبيلا، وللعمل الجمعوي الذي من العار أن يكون صاحبه منحطا وذليلا، فهو قمة الاستغباء.

ويتلخص المشكل في كون أن سكان قرية “تالغزة” الذين كانوا يُسقَون من “عين الزعرور”، التي فرط المكتب الجماعي في الاهتمام بشبكتها حتى تقادمت واهترأت، فكثرت أعطابها وصعبت مجاراة صيانتها، صاروا يعانون من قلة الماء خلال أيام الحر، نتيجة ضعف الصبيب من جهة، ومن جهة ثانية بسبب كثرة التسربات وسوء التوزيع. فقاموا إثر ذلك بوقفات احتجاجية في أواخر التسعينات من القرن الماضي، جعلت السلطات المختصة تستجيب لطلباتهم وتقوم بحفر ثقب مائي بمنطقة “الغروس” يعزز ماء “عين الزعرور” خاصة في الصيف، ويزود في نفس الوقت قرية القلعة بنسبة غير يسيرة من الماء الصالح للشرب. وهكذا تكونت في بداية الألفين، جمعيتان للماء إحداهما بالقلعة والثانية بتالغزة للإشراف على تدبير ماء هذا الثقب.

ومع مرور الوقت وقلة التأطير وكثرة العراقيل والضغوطات تلاشت الجمعيتان، وفي الوقت ذاته، تعاقد مكتب الجماعة مع المكتب الوطني للماء الصالح للشرب لتزويد قرى الجماعة بالماء. فحفر المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، ثقبا جديدا بجانب مركز الجماعة، صار يزود من خلاله قرى “تالغزة” و”الغروس” بالخصوص. إلا أنه سرعان ما نفذ مخزون المياه به، فتوقف بذلك التزويد يوم عيد الفطر المبارك وكأنه نقمة مقدرة، مما أثار غضب السكان من جديد. وهكذا كان على هذا المكتب البحث على بديل للتزود بالماء، وقد تم ذلك بالفعل، وصار تزويد المستهلكين شبه منتظم، ليتضح بعدها أن التزود يتم عبر ثقب “الغروس” القديم، والذي يعتبر ملكا لسكان تالغزة والقلعة.

ويبدو أنه قد تمت هناك صفقة ما، بين الجمعية “المدللة” للمستشار المذكور، الذي استحوذ على الثقب (متى؟ وكيف؟ وبمساعدة من؟)، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، فُوّت لهذا الأخير من خلالها استغلال هذا الثقب ليستمر تزويد قرى “تالغزة” و”الغروس” بماء، كان بالأمس ملكا لهم، يستهلكونه بالمجان تقريبا، فأمسوا الآن يشترونه بثمن باهض، بل ويؤدون دعيرة معتبرة عن كل تأخير في الأداء. والأدهى من هذا هو حرمان سكان قرية القلعة، التي يوجد الثقب بأراضي جموعها، من نقطة توزيع عمومية “سقاية” بقلب القرية، كانت تخفف عنهم عناء البحث عن الماء قبل مجيء المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، بل وحرمانهم حتى من الربط بالشبكة، فإذا بهم يفقدون في غفلة من أمرهم بين عشية وضحاها، السقاية، والثقب، وحتى الاستفادة من الربط بالمقابل (لا باكور … لا كرموس … وحتى الكرطاط !).

كيف تمت هذه الصفقة الغامضة من طرف أناس كان يجب أن يكونوا أحرص الناس على مصلحة منتخبيهم؟ وما هو المقابل؟ ولصالح من؟ هي أسئلة من حق المواطن أن يطرحها، وأن يتوصل بالإجابة التامة والشافية عنها، وإلا فقد صار ماء هؤلاء المساكين … وكأنه نقمة عليهم، اللهم إن كان لمكتبهم الجماعي الموقر، ومستشارهم المحترم، وجمعيته “المدللة” رأيا غير ذلك …

طاب أسبوعكم، وإلى اللقاء في الجمعة القادمة بحول الله.
محمد المداني

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *