حديث الجمعة4: جمعية الآباء، أم جمعية المدير؟

تعيش مدرسة قرية تالغزة، بجماعة سيدي عبد الله الخياط – زرهون، حالة استثنائية منذ ثلاثة مواسم؛ فهي لا تفتقد فقط لجمعية آباء وأولياء التلاميذ، بل إن إرادة بعض الآباء، والشباب منهم على وجه الخصوص، في تجديد مكتبها وإحياء نشاطها، تصطدم برفض السيد مدير المؤسسة، وعرقلة السيد قائد المغاصيين، دون مبرر مقنع… 

وإذا كان الأول كرجل تربية قبل أي شيء آخر، كان من المفروض أن يتواصل مع هؤلاء الشباب ويساعدهم على بناء جمعية للآباء والأولياء، هو أول من سيحتاجها لمساعدته في دعم أنشطة المدرسة وتحسين خدماتها، فإن الثاني، كأول مسؤول محلي على أمن المنطقة وتحسين ظروف استقرارها، والعمل على توفير الأجواء المناسبة لانخراط الجميع في تنميتها، كان من الواجب عليه العمل على مساعدة هؤلاء الآباء على تجديد مكتب جمعيتهم، مادامت لهم تلك الإرادة الصادقة، التي قليلا ما نعثر عليها، لخدمة قريتهم والمساهمة في الرفع من مستوى مدرستهم، في إطار احترام القانون والمؤسسات.

إن لهذه المدرسة تاريخ طويل، أنتجت من خلاله أفواجا من الأطر منها من خدم، ومنها ممّا زال يخدم وطنه بصدق وتفانى. درّس بها أساتذة كانوا منفتحين على محيطهم؛ يعيشون بين السكان ويشاركونهم أفراحهم، ويواسونهم في أحزانهم. لا يسهرون فقط على تربية التلاميذ (الأبناء) وقد كان بإمكانهم الاكتفاء بذلك، بل كانوا يساهمون في تأطير وإرشاد الكبار (الآباء) كذلك، مما أكسبهم احتراما وتقديرا.

أما الآن، فإن أكثر من نصف سكان القرية لا يعرفون مديرها، وجلهم يجهلون أسماء مدرسيها. صارت المدرسة عبارة عن جزيرة وسط القرية، منعزلة بذاتها منغلقة على نفسها؛ لها اسرارها وشراكاتها واتفاقياتها، لا يجوز لسكان القرية، إلا شرذمة قليلة من “المحظوظين” أو المقربين، أن يطلعوا عليها، أو هكذا نظن.

ولا بأس أن نذكّر هنا أن جمعية آباء وأولياء التلاميذ، تعتبر على الأقل من الناحية النظرية، شريكا أساسيا، لا مفر من إشراكه وتشاركه لخدمة مصلحة التلميذ. دورها التكميلي، أضحى ضروريا في دعم أعمال وأنشطة المؤسسات التعليمية، إضافة إلى كونها قوة اقتراحية إلى جانب الإدارة والطاقم التربوي طبعا، ولكن من زوايا مختلفة وبمقاربات متغايرة.

وبالإضافة إلى ذلك فقد صار وجودها وتفعيله بشكل سليم، حاسما في مد جسور التواصل بين المؤسسات التعليمية والأسر، وفي نسج الروابط الاجتماعية والعلاقات بينها وبين مختلف الأطر التربوية والإدارية وفي تطوير خدماتها، والمساهمة في إشعاعها الاجتماعي والثقافي والفني.

وإذا كان جل الآباء الذين تطوعوا لتجديد مكتب جمعية آباء وأولياء مدرسة قريتهم من الشباب، فقد تفاجأت شخصيا بالمعطيات التي قدمها الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الناطق الرسمي باسم الحكومة خلال الأسبوع المنصرم، والتي أعلن فيها أن 82 في المائة من شباب المغرب (34-14 سنة) لا يمارسون أي نشاط ترفيهي، و75 في المائة لا يتوفرون على أية تغطية صحية، بينما 20 في المائة مهددون بالإصابة باضطرابات نفسية وصحية. هذا على المستوى الوطني، فما بالك بالعالم القروي، والمناطق الأكثر فقرا وأمية منه، كجماعة سيدي عبد الله الخياط على سبيل المثال؟

أما المعطيات الصادمة أكثر فهي تلك المتعلقة بمشاركة الشباب المغربي في العمل السياسي، والتي لا تتعدى نسبتها حسب المسؤول الحكومي نفسه 1 في المائة، في حين أن العمل الجمعوي لا يشمل سوى ما بين 10 و15 في المائة، وإذا ما أسقطنا هذا الرقم على البوادي فلن نجد أكثر من 5 في المائة على أقصى تقدير.

وحيث أن الحكومة قد أعلنت عن إطلاق استراتيجية جديدة تفاعلا مع توجيهات جلالة الملك محمد السادس؛ وذلك عبر مراجعة الاستراتيجيات والبرامج الموجهة إلى الشباب، حتى يتمكنوا من الإدماج الاجتماعي، وإحداث لجنة وزارية تضم مختلف القطاعات المعنية لتحديد برنامج وطني ورؤية مستقبلية للنهوض بواقع الشباب، فإني أهيب بالمسؤولين المحليين أن يكونوا أكثر تفهما للسكان، وللشباب على وجه الخصوص، ومعاناتهم، وأن يعملوا على فسح المجال لمساهماتهم في تدبير شؤونهم، لا عزلهم والوقوف في وجههم، والانتقاص من مؤهلاتهم، وتبخيس مقترحاتهم.

فمنطقتنا أشد ما تكون حاجة حاليا لأبنائها، خاصة الشباب منهم. فما العيب في أن يتعاون الجميع من أجل تجديد مكتب جمعية للآباء، بعيدا عن التسلط والاستبداد، والشطط في استعمال السلطة؟ جمعية لا يمكن إلا أن تساهم في انفتاح المدرسة على محيطها والتواصل معه والاستفادة منه، وذلك من أجل الرفع من مستوى خدماتها وتحسين قدرة تلاميذها؟ بل وما المانع من أن نجتهد أكثر، وربما بصفة أشمل؛ أي على مستوى جماعة سيدي عبد الله الخياط برمتها، ونعمل جميعا، كل من موقعه على:

– تنظيم لقاءات دورية لتكوين أعضاء المكاتب الإدارية لهذا النوع من الجمعيات بالجماعة؛
– مساندة تعميم هذه الجمعيات على جميع المؤسسات التعليمية بالجماعة؛
– تحسيس مديرات ومديري المؤسسات التعليمية بالدور المنوط بجمعيات الآباء في دعم التمدرس؛
– تحسين وتطوير العلاقات بين الجمعيات والمؤسسات، وتفعيل مجالس المؤسسات التعليمية؛
– خلق لجنة محلية قصد التنسيق المشترك للإصلاح التربوي والتي يجب أن تتكون من مدراء المؤسسات التعليمية، مفتشي التعليم، رؤساء جمعيات الآباء والأمهات، ممثل السلطة المحلية، ممثل الجماعة المحلية، وممثلي المجتمع المدني المحلي الفاعل والنشيط، ثم العمل على تتبع وتقييم ومواكبة البرامج المحلية في قطاع التعليم؟

فهذا لن يرفع فقط من مستوى المؤسسات التربوية بالجماعة ويحسن جودة خدماتها، بل إنه سيتعدى ذلك ليساهم بطريقة أو بأخرى ولو نسبيا، في تأطير الأسر ومساعدتها على كيفية دعم هذه المؤسسات والتجاوب معها. وهذا يتوقف على قناعة الجميع، والمسؤولين المحليين بوجه خاص، بضرورة التكامل، وبأهمية تفعيل الحياة المدرسية على الوجه المطلوب. ولن يتأتى ذلك، إلا بترسيخ قيم التعاون بين أعضاء المجتمع المدرسي الموسع ومحيطه، واحترام الرأي الآخر، وتشجيع العمل التطوعي، والابتعاد عن الغرور والعجرفة، وتثمين قيم المواطنة.

طابت أيامكم، وإلى الجمعة القادمة بحول الله. محمد المداني

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *