البشرية اليوم.. ولزوم المربي؟

إذا ما أمعنا النظر قليلا اكتشفنا على أن الخطوات الأولى للجنس البشري على الأرض ، كان الإنسان يمتلك دينا عالميا واحدا، هذا الأخير” الدين” ضاع في غياهب الصراعات البشرية من جهة وترقياتها من جهة أخرى، إضافة إلى الانهيارات والفهم الخاطئ والتشتت الجغرافي للبشر في كافة بقاع الأرض، وهو أمر تعترف به حتى مدارس الحكمة القديمة..  إن ارتباط الإنسان بالمادية والخضوع لتأثيراتها جعلته ينسى هدف وجوده في الحياة كحب الخير والسلام والاتحاد ونبذ جميع التعصبات والتحلي بنفس تواقة لاحترام الاختلافات.
مصوغة هذه الأهداف تتمثل في رسائل الخالق التي جاءت إلى العالم عبر مُربيه المختارين في الزمان والمكان وعبر مراحل تطور البشرية التي وصلت اليوم إلى مرحلة النضج.
تسود العالم اليوم سحابة عابرة تدعو إلى الابتعاد عن الدين والتقرب إلى المادية، حتى أن أنصار هذا الاتجاه نسبوا تخلف الأمم ونشوب الحروب إلى الديانات وأفكارها.
وفي نفس السياق لا يمكن الإنكار والجزم بأن البيئة التي ترعرع فيها الإنسان منذ نعومة الأظافر لها دور كبير في التأثير على المعتقدات والتقاليد وتوجيهها، بحيث يُستَشفُ أن الأغلبية الساحقة من المسلمين والمسيحيين واليهود والهندوس يتبعون معتقدات أجدادهم .وكل ما قيل في الطفولة بمثابة مظلة تملك حصة الأسد في توجيه المعتقد والآمال.
كل هذا ليس له إلا تفسير واحد، وهو دور التربية كموضوع له تأثير حيوي على حياة الشعوب، إذ لا يمكن وجود رقي أو حضارة حقيقية لأمة ما، إلا بالتربية الفاضلة والأخلاق الحميدة والعلم، والتاريخ خير دليل على ذلك، فما سَمت أمة من الأمم ولا قامت حضارة من الحضارات، إلا بالأخلاق والتربية والعلم.
ويبقى السؤال مطروحا هل البشرية تحتاج إلى لزوم المربي؟
للإجابة على هذا السؤال لابد أن نطرح سؤال آخر وهو هل يمكن للتلاميذ أن يتقدموا داخل الفصل الدراسي بدون معلم؟
البشرية بدورها تحتاج إلى المربي لأن دور الرسل والديانات يتلخص في تربية وتعليم البشر كل حسب زمانه ومكانه، وما نراه من صفات ومزايا لرسول تختلف عن غيره من الرسل، ما هو إلا بسبب ظهورهم بين مجتمعات متباينة التطور مختلفة الأعراق والتقاليد والعادات، لأنهم جميعا جاءوا من مصدر واحد ومن رب واحد ويحملون نفس القوة والقدرة الإلهية التي تتشابه عملتها والمستمدة من البنك الإلهي الذي لا ينضب، كما قال رب العزة (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ).

عندما يبعث الله الرسل بشرائع وكتب جديدة، فغاية ذلك هو تعليم البشر وتثقيفهم وتطويرهم بتعاليم تتناسب مع مراحل تغير الزمن واختلافه وتجدد متطلبات الحالة الاجتماعية من جميع مناحيها. إلا أن رفض الجديد والتشبث بالقديم سُنة من سُنن الأولين والتابعين، لأن الإنسان في هذا العالم بمثابة تلميذ يخضع لبرامج التحصيل الدراسي المنظم حيث أن كل مرحلة من مراحل نموه إلا وتحتاج إلى برنامج خاص يراعي جميع جوانبه النفسية والفسيولوجية، ولتعزيز هذا المثال ما علينا إلا أن نؤكد على أن البرنامج الدراسي للمرحلة الابتدائية قد يصبح دون جدوى إذا ما تم تلقينه في المرحلة الإعدادية والتي تقابلها مباشرة مرحلة المراهقة . إن دور الرسل والأنبياء وتعاليمهم كان ضروريا لتطور البشرية والأخذ بيدها نحو التقدم حتى ولو تفرقت وتباعدت أماكن وأزمنة ظهورهم، فدورهم كان واحداً ومهمتهم واحدة وهدفهم واحد، وهو مساعدة البشر على التقدم والتطور العلمي والروحاني. فهل عالمنا اليوم يحتاج إلى المربي؟
ذ. رضوان المسكيني

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *