بعد محطة 7 أكتوبر، السيناريوهات المحتملة

انفتح المشهد السياسي المغربي على خريطة انتخابية جديدة، بمعالم لم تكن متوقعة بالنسبة للكثيرين، بالرغم من أن تصدر حزب المصباح لانتخابات 7 أكتوبر لم يشكل مفاجأة، غير أن تقدمه بحوالي عشرين مقعدا مقارنة بحصيلته عن تشريعيات 2011، أثبت أنه استفاد من تراجع أحزاب أخرى، من بينها أحزاب شكلت نفس التحالف الحكومي، في مفارقة لم يستوعبها قياديوها، معتبرين أنهم أدوا الثمن، بينما كان البيجيدي أكبر المستفيدين، وهو ما نفسره بكون الحصيلة الحكومية لم تكن معيارا في تصويت الناخبين.. 

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد ضاعف مقاعده بنسبة 300 في المئة، معلنا ترقبه لأي فرصة سانحة من أجل الانقضاض على الصدارة، بالرغم من كثرة الانتقادات التي يتعرض لها الحزب، والاتهامات بدعم السلطة له.

وهكذا، استيقظنا على مشهد يمنح حزب العدالة و التنمية فرصة ثانية لتسيير العمل الحكومي، وفق خريطة قد تبدو أصعب، بعدما تراجعت مقاعد العديد من الحلفاء المحتملين.

وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة هو الحزب الوحيد الذي عبر بصراحة، وبشكل قطعي، عن موقفه من التحالف مع الحزب المتصدر، مباشرة بعد إعلان النتائج، وهو موقف الرفض المطلق للدخول في تجربة حكومية مع المصباح، فإن باقي الأحزاب تنتظر دعوة العدالة والتنمية، وتستعد لعقد اجتماعات لمكاتبها الوطنية قصد البت في المشاركة من عدمها، بما فيها أحزاب أبدت امتعاضها من طريقة تدبير حزب العدالة والتنمية للحكومة الماضية، كحزب الاستقلال، وحزب التجمع الوطني للأحرار..

أمام المشهد الجديد، فإن معالم الحكومة المقبلة قد تبدو شبه واضحة، غير أن الفشل يظل قائما في الحصول على أغلبية برلمانية، وبالتالي فإن عدم تمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة ذات أغلبية قد يفتح الباب على سيناريوهات أخرى، فما هي المشاهد المحتملة بعد 7 أكتوبر؟

السيناريو الأول: تحالف مصلحي

تفرض العملية الحسابية على الحزب المتصدر تشكيل تحالف يسمح بتجميع 198 مقعدا برلمانيا على الأقل للحصول على الأغلبية المريحة، تفاديا لعرقلة إصدار القوانين، أو لنوايا إسقاط الحكومة من طرف المعارضة، وهو ما يدفع للتحالف مع أقرب الحلفاء، وهم، حسب المشهد السياسي الحالي: حزب التقدم والاشتراكية، حزب الحركة الشعبية، حزب الاتحاد الدستوري، في ما يمكن استبعاد التجمع الوطني للأحرار بحكم التوتر الذي عرفته علاقة الحزبين قبل نهاية الولاية الحكومية، وبذلك سنحصل على: 184 مقعدا، وهو نصاب غير كاف.

الاحتمال التالي هو ضم حزب الاستقلال بمقاعده 46 كقوة ثالثة في البرلمان، رغم تراجعه الواضح، حيث سيمكن ذلك من الحصول على 230 مقعدا، وهو ماسيتيح إمكانية التخلي عن التحالف مع التقدم والاشتراكية، أو عن الحركة الشعبية أو عن الاتحاد الدستوري إذا ما حاول حزب العدالة والتنمية تشكيل حكومة بحقائب محدودة العدد، لا تتجاوز الثلاثين وزارة.

وإذا كان مجال التشاور والمناورة يبدو مفتوحا للحزب المتصدر، فإن عدة معيقات قد تواجهه في إنجاح المشاورات الحزبية، وعلى وجه الخصوص، ما يمكن اعتباره الجشع الحزبي، أو الابتزاز السياسي من أجل الحصول على حقائب وزارية بعينها، أو عدد معين من الحقائب كشرط للانضمام إلى التحالف، خصوصا إذا ما كان مجال الأحزاب الموافقة على التحالف ضيقا..

السيناريو الثاني: أمل لن يتحقق

إذا كانت السياسة قد علمتنا أن ليس فيها صديق دائم ولا عدو دائم، ولا خطوط حمراء لها بحكم اعتمادها على النظرية الميكيافيلية النفعية، فإن حزب العدالة والتنمية أكد على أنه لا موقف ثابت في تحالفاته، وأنه يسير دائما خلف مصالحه الضيقة ولو تحالف مع أقصى اليسار، وهو ما أثبته حين شكل مع غريمه التقليدي والإيديولوجي، التقدم والاشتراكية، ثنائيا وفيا، رغم السجال التاريخي بينهما، كما أثبت ذلك حينما ضم التجمع الوطني للأحرار عقب خروج الاستقلال من الحكومة، رغم ما كال لمزوار ورفاقه من اتهامات بالرشوة وتبادل العلاوات وأقدح النعوت، ليصير بعدها حليفا أنقذ حكومته من السقوط.

وهو ما تكرر مع حزب شباط، حين كان ينتعته بالمفسد وحزب النهب، قبل أن يضمه لتشكيلته الحكومية، ثم يعلنا بعدها عن تقاربهما قبيل الانتخابات الأخيرة.

يفيد ذلك بأن العدالة والتنمية قد يطلب ود حزب الأصالة والمعاصرة، ولو من “وراء حجاب” في رغبة منه لإذابة الجليد المتراكم بينهما، وانتظار رد إيجابي من الجرار، بعدما تبادلا التصويت بينهما خلال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية قبل أشهر، رغم أن الأخير أكد في أقل من 48 ساعة، في أكثر من تصريح، أنه لن يقبل أي تحالف مع المصباح. غير أن الماضي القريب أكد أن العدالة والتنمية قد يطرق باب الخصوم والأعداء من أجل إنقاذ مشاوراته من الفشل.

السيناريو يبقى بعيد التحقق، لكنه سيمنح العدالة والتنمية أغلبية مريحة، وتخلصا من صداع معارضة الأصالة والمعاصرة، حيث سيحصل التشكيل الثنائي على مجموع 227 مقعدا.

السيناريو الثالث: شبخ يخيف المصباحيين

سيناريو “البلوكاج” ويبقى مستبعدا، وقد يحدث في حال فشل رئيس الحكومة المعين من طرف الملك في الحصول على الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة، وهو ما قد يفتح نيران حزب العدالة والتنمية على فرضية المؤامرة، خصوصا وأنه، منذ الشروع في التهييء للانتخابات، وهو ينتقد القوانين التنظيمية، وما أسماه التضييق على الحزب، مقابل دعم الحزب المنافس له.

وفي حال حدوث “البلوكاج” فإن الدستور لا ينص على ما يترتب عن ذلك، غير أن الباب سيبقى مفتوحا أمام الملك، وفق ما يخوله له النص الدستوري، حيث يمكن له أن يعلن عن تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وهو احتمال يظل بعيدا، حيث أن الأمر سيكون مكلفا ماديا وسياسيا، كما أن إعادة الانتخابات لن يفرز خريطة مغايرة بكثير في الغالب.

وهو ما قد يخول للملك اتخاذ قرار من اثنين: تعيين رئيس حكومة من الحزب صاحب الرتبة الثانية، ما قد لا يتقبله حزب العدالة والتنمية، أو تعيين رئيس حكومة تقنوقراطي يقدم الحكومة في طابق من ذهب لرفاق إلياس العماري.

خلاصة

يبقى الاحتمال الأول والأخير أكثر السيناريوهات قابليةللتحقق، فإن فشل بنكيران ورفاقه في جمع أغلبية مريحة، فإن احتمال تفويت رئاسة الحكومة لحزب “البام”، عن طريق رئيس حكومة لا منتم، قد يكون مقربا منه: “عزيز أخنوش”، أمرا جد وارد..

وبين هذا السيناريو وذاك، تفيد أغلب المؤشرات أن القرار السياسي بالدولة لازال بحاجة إلى حزب العدالة والتنمية قبل إنضاج كل الظروف لتسليم المفاتيح، في المستقبل القريب، لحزب الجرار..

عبد الحميد – مكناس ميديا24

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *